ابن أبي الحديد
59
شرح نهج البلاغة
أن ترتحلوا حتى تروا نواصي ( 1 ) الخيل ، ولقد ( 2 ) حملني ما رأيت منهم أن قلت أبياتا ، قالوا : وما هي ؟ فأنشدهم هذا الشعر : كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل ( 3 ) تعدو بأسد ضراء لا تنابلة ( 4 ) * عند اللقاء ولا ميل معازيل ( 5 ) فقلت ويل ابن حرب من لقائهم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل ! ( 6 ) وقد كان صفوان بن أمية رد القوم بكلامه قبل أن يطلع معبد ، وقال لهم صفوان : يا قوم ، لا تفعلوا ، فإن القوم قد حربوا ( 7 ) ، وأخشى أن يجمعوا عليكم من تخلف من الخزرج ، فارجعوا والدولة لكم ، فإني لا آمن إن رجعتم إليهم أن تكون الدولة عليكم . قال : فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أرشدهم صفوان وما كان برشيد ، ثم قال : والذي نفسي بيده لقد سومت لهم الحجارة ، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب ، قال : فانصرف القوم سراعا خائفين من الطلب لهم ، ومر بأبي سفيان قوم من عبد القيس يريدون المدينة ، فقال لهم هل أنتم مبلغو محمد وأصحابه ما أرسلكم به ، على أن أوقر لكم أباعركم زبيبا غدا بعكاظ ، إن أنتم جئتموني ! قالوا : نعم ، قال : حيثما
--> ( 1 ) أالواقدي : " حتى ترى نواصي الخيل " . ( 2 ) الواقدي : " ثم قال معبد . . . " . ( 3 ) الأبيات في ابن هشام 3 : 54 . تهد ، أي تسقط من الإعياء . والجرد : الخيل العتاق . والأبابيل : الجماعات . ( 4 ) ابن هشام : " تردى بأسد كرام " . والتنابلة : القصار . ( 5 ) الميل : جمع أميل ، وهو الذي لا رمح له . والمعازيل : جمع معزال ، وهو من لا سلاح معه . ( 6 ) تغطمطت : اهتزت واضطربت . والبطحاء : السهل من الأرض . والجيل : الصنف من الناس ، وبعدها في ابن هشام : إني نذير لأهل البسل ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل ( 7 ) حربوا ، أي غضبوا .